هل تجوز الصلاة في مصلى زمزم مؤتماً بإمام الحرم في رمضان، سواءً اتصلت الصفوف أم لم تتصل؟

هل تجوز الصلاة في مصلى زمزم مؤتماً بإمام الحرم في رمضان، سواءً اتصلت الصفوف أم لم تتصل؟

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

مصلى زمزم مبنى مهيأ وموقوف للصلاة، تابع لمسجد الكعبة، ولا إمام له إلا إمام المسجد الحرام.

وهو مطل عليه، يشاهد من خلاله المصلون،  ويسمع فيه صوت الإمام. فحكمه حكم التوسعة، وساحات الحرم ورحابه، وتوابع الحرم المهيأة للصلاة.

فلا بأس من الصلاة فيه سواءً اتصلت الصفوف أم لم تتصل كما رجحه المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد فيما يتعلق بالتوابع.

بل حتى الموضع الذي ليس تابعاً للمسجد فإنه تجوز الصلاة فيه للحاجة مؤتماً بإمام المسجد وإن لم تتصل الصفوف، كما هو قول الأئمة المذكورين وشيخ الإسلام ابن تيمية.

 

 

وإليك التفصيل

 

أولا ً: المسجد

 

المكان المبنى المهيأ للصلوات الخمس. انظر تحفة الراكع والساجد (48-49) إعلام الساجد للزركشي (386)

وزاد غيرهم: الخالص لله سبحانه ولعبادته. الموسوعة الفقهية (37/194)  

أي المكان المهيأ للصلوات الخمس الموقوف لله تعالى.

 

ثانياً: هل تجوز الصلاة في توابع المسجد

 

توابع المسجد هي كل ما هو موقوف تبع للمسجد، وهي قسمان:

1- قسم ما هو موقوف للصلاة.

2- قسم ليس للصلاة كالحمامات وبيت الإمام وموظفي المسجد.

1- فالتابع الموقوف للصلاة:

له حكم المسجد من صلاة واعتكاف وعدم الجماع فيه وغيره. فتجوز الصلاة فيه مؤتماً بالإمام. 

 

الدليل:

 

أ- التبع له حكم الأصل.

ب- إذا جازت الصلاة في البيت مؤتماً بإمام المسجد كما فعلت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)  عندما صلت الكسوف في بيتها مقتدية بالنبي (صلى الله عليه وسلم )  في صلاته في المسجد،  فالصلاة في الأرض الموقوفة للصلاة تبعاً للمسجد جائزة بدلالة الأولى.

ج- جواز صلاة النساء في المسجد في صفوف بعيدة عن صفوف الرجال للحاجة، وهي درء الفتنة بهن.

قال النووي: أما المساجد المتلاصقة التي يفتح  بعضها إلى بعض فلها حكم مسجد واحد، فيصح الاقتداء وأحدهما في ذا، والآخر في ذاك. هكذا أطلقه الشيخ أبو حامد والبنديجي والقاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والتتمة والجمهور.

ولو كانا في مسجدين يحول بينهما نهر أو طريق أو حائط المسجد غير باب نافذ من أحدهما إلى الآخر فهو كملك متصل بالمسجد.

ثم قال: وأما رحبة المسجد فقال الرافعي: عدها الأكثرون منه، ولم يفرقوا بين أن يكون بينها وبين المسجد طريق أم لا. وصححه النووي وقال: نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف فيها. (4/302-303)

ورواية عن أحمد أن رحبة المسجد لها حكم المسجد. وهو قول الشافعي ومالك. تحفة الراكع لأبي بكر الجراعي. (365-366) إعلام الساجد للزركشي (346)

والرحبة: هي ما بناه للمسجد، جواره وما حوله، وما أضيف إليه محجراً عليه. وصحح
العز بن عبد السلام الصلاة تحت الساعات بصلاة الإمام بجامع دمشق لأنها رحبته وصححه النووي. إعلام الساجد للزركشي (346)

2- أما القسم الآخر فليس له حكم المسجد، وإنما له حكمه الخاص سواء من حمامات فله حكم الحمامات، وبيت موظفيه له حكم البيوت لأنه لم يوقف للصلاة.

فمصلى زمزم مبنى مهيأ للصلاة، موقوف عليها، تابع لمسجد الكعبة، فإمام الحرم إمامه، ومطل عليه ويمكن سماع صوته، ومشاهدة الصفوف، فحكمه حكم توابع الحرم من الساحات والتوسعة، فتجوز الصلاة فيه. وإذا كان كذلك لا يشترط اتصال الصفوف فيه.

 

ثالثاً: أما من يرى أن مصلى زمزم ليس من توابع الحرم، ويرى وجوب اتصال الصفوف ليصح الائتمام بإمام الحرم.

 

 

فقد بين ابن قدامة ضابط اتصال الصفوف فقال: (أن لا يكون بينهما بعدٌ لم تجر العادة به بحيث يمنع الاقتداء به). أهـ

فيرى بأن عدم اتصال الصفوف يشترط له شرطان: الأول البعد غير العادي، الثاني أن هذا البعد يمنع من الاقتداء بالإمام. أما إذا لم يمنع من الاقتداء به فلا يعتبر منقطعاً، بل يعتبر متصلاً.

 

 

رابعاً: 

 

 

أما من رأي البعد مانعاً من الاقتداء، فهل يجوز الائتمام به للحاجة إذا كان يراه أو يسمع صوته؟

فالمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد وقول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن سعدي وان حميد يرون بأنه لا مانع من الاقتداء به فلا يلزم اتصال الصفوف.

قال النووي: ”أن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه، فإن لم يكن بينها حائل جاز إذا لم يزد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع. ومن أين تعتبر هذه الذرعان؟ الصحيح أنها تعتبر من آخر المسجد“. (4/308) المجموع

وقال: ”ثلاثمائة ذراع هو للتقريب وليس للتحديد“. المجموع النووي (4/303)

”وهذا التقريب مأخوذ من العرف على الصحيح“. المجموع (2/303-304)

قال القليوبي: ”لأن ما لا ضابط له لغة ولا شرعاً فمرجعه العرف. وحكمته: وصول صوت الإمام للمأموم في ذلك غالباً“. الحاشية على كنز الراغبين (1/356) أي ليتمكن من الاقتداء به.

انظر في تحديد القرب والبصر: المواهب (2/434، 452) والإكليل (2/434) المجموع شرح المهذب (2/302-305) والقليوبي على كنز الراغبين (1/356)

قال النووي: ”فإن كان بينهما حائل لا يمنع من المشاهدة. فقد صحح القاضي أبو الطيب صحة الاقتداء به“. المجموع (4/308)

وقال عطاء: ”يصح مطلقاً وإن طالت المسافة ميلاً وأكثر إذا علم صلاته“. المجموع شرح المهذب (4/309)

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

 

 

”أما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل. فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة.

وإن كان بينهما طريق، أو نهر تجري فيه السفن ففيه قولان معروفان، وهما روايتان عن أحمد: أحدهما المنع كقول أبي حنيفة، والثاني الجواز كقول الشافعي.

وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤيا والاستطراق، ففيها عدة أقوال

في مذهب وغيره... ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقاً“. المجموع (23/407-408)

”وعن أحمد: تصح الصلاة إن كان المأموم في سفينة وإمامه في أخرى. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية“. انظر حاشية الروض المريع (2/349)

ففي هذه الإجابة الموضعان منفصلان عن بعضهما، ولكن أحدهما يتبع الآخر، والفاصل هو الماء الجاري وهو طريق للسفن، فلا مانع حينئذ من أن يكون الفاصل هو طريق الناس وممشى لهم.

 

 

خامساً: الدليل عليه ما  يلي:

 

 

1- لا يوجد دليل يمنع منه، لا نص ولا إجماع. فالقول ببطلان الائتمام تحكم محض.

2- المؤثر في منع الاقتداء هو ما يمنع الرؤية وسماع الصوت. فإذا أمكن الاقتداء بسماع صوته أو رؤيته انتفى المانع.

3- ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها اقتدت بالنبي (صلى الله عليه وسلم ) عندما صلى بالناس صلاة الكسوف وهي في بيتها. إذ روى البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: أتيت عائشة رضي الله عنها وهي تصلي فقلت ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء. فإذا الناس قيام. فقالت: سبحان الله. قلت: آيه؟ فأشارت برأسها أي نعم. فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء. صحيح البخاري (86)

4- قال النبي (صلى الله عليه وسلم ): (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) رواه مسلم والأربعة فصفوف الرجال غير متصلة بصفوف النساء. مما يدل على جواز صلاة النساء في المسجد مع عدم اتصال الصفوف للحاجة.

 

 

سادساً: الحكم

 

 

إذا تبين أن المسجد هو المبنى المهيأ والموقوف للسجود والصلاة، وتبين جواز الصلاة في توابع المسجد الموقوفة للصلاة، وجواز الصلاة مع تباعد الصفوف إذا أمكن الاقتداء بالإمام، تبين حينئذ جواز حكم الصلاة في مصلى زمزم الموقوف للصلاة وهو تابع للمسجد الحرام، فإمامه إمام المسجد الحرام، والسماعات فيه تنقل صلاة الإمام، فأمكن سماع صوته وقراءته ورؤيته ومتابعته.

بل حتى لو قيل بأن مصلى زمزم ليس تابعاً للحرم، ويجب اتصال الصفوف فعلى تعريف ابن قدامة الصفوف متصلة. حتى لو قيل بعدم بأن الصفوف غير متصلة فلا دليل على وجوب اتصالها مع الحاجة، لاسيما مع الازدحام الكثيف في المسجد الحرام، وعدم وجود مكان للصلاة فيه إلا مع ترجي المصلين للسماح أو التضييق عليه، أو الصلاة في الممرات ومواضع النعال وساحات المياه، أو الصلاة في ساحات الأسواق مع شدة حرارة الأرض والرخام. فالصلاة فيه حينئذ جائزة، وحكمها حكم الساحات، وتوابع المسجد الحرام والتوسعة له.

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات علمية آخرى